المقريزي

84

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الأحوال مع المروءة والهمة ، وسمع كثيرا من الحديث ، وقرأ بنفسه على المشايخ ، وكتب الخط المليح ، وقرأ القراءات السبع ، وعرف التصوّف والفقه والحساب والنجوم ، إلّا أنه كان متهوّرا في أخذ الأموال عسوفا لجوجا مصمما لا ينقاد إلى أحد ، ويستبدّ برأيه فيغلط غلطات لا تحتمل ، ويستخف بغيره ، ويعجب بنفسه ، ويريد أن يجعل غاية الأمور بدايتها ، فلذلك لم يتمّ له أمر . جامع الظافر هذا الجامع بالقاهرة في وسط السوق الذي كان يعرف قديما بسوق السرّاجين ، ويعرف اليوم بسوق الشوّايين ، كان يقال له الجامع الأفخر ، ويقال له اليوم جامع الفاكهيين ، وهو من المساجد الفاطمية ، عمره الخليفة الظافر بنصر اللّه أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد بن الآمر بأحكام اللّه منصور ، ووقف حوانيته على سدنته ومن يقرأ فيه . قال ابن عبد الظاهر : بناه الظافر ، وكان قبل ذلك زريبة تعرف بدار الكباش ، وبناه في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، وسبب بنائه أن خادما رأى من مشرف عال ذباحا وقد أخذ رأسين من الغنم ، فذبح أحدهما ورمى سكينته ومضى ليقضي حاجته ، فأتى رأس الغنم الآخر وأخذ السكين بفمه ورماها في البالوعة ، فجاء الجزّار يطوف على السكين ، فلم يجدها ، وأما الخادم فإنه استصرخ وخلصه منه ، وطولع بهذه القضية أهل القصر ، فأمروا بعمله جامعا ، ويسمى الجامع الأفخر ، وبه حلقة تدريس وفقهاء ومتصدّرون للقرآن ، وأوّل ما أقيمت به الجمعة في . . . « 1 » . جامع الصالح هذا الجامع من المواضع التي عمرت في زمن الخلفاء الفاطميين ، وهو خارج باب زويلة . قال ابن عبد الظاهر : كان الصالح طلائع بن رزيك لما خيف على مشهد الإمام الحسين رضي اللّه عنه إذ كان بعسقلان من هجمة الفرنج ، وعزم على نقله ، قد بنى هذا الجامع ليدفنه به ، فلما فرغ منه لم يمكنه الخليفة من ذلك وقال : لا يكون إلّا داخل القصور الزاهرة ، وبنى المشهد الموجود الآن ودفن به ، وتمّ الجامع المذكور ، واستمرّ جلوس زين الدين الواعظ به ، وحضور الصالح إليه . فيقال أنّ الصالح لما حضرته الوفاة جمع أهله وأولاده وقال لهم في جملة وصيته : ما ندمت قط في شيء عملته إلّا في ثلاثة ، الأوّل بنائي هذا الجامع على باب القاهرة ، فإنه صار عونا لها . والثاني : توليتي لشاور الصعيد الأعلى . والثالث : خروجي إلى بلبيس بالعساكر وإنفاقي الأموال الجمة ، ولم أتم بهم إلى الشام وأفتح بيت المقدس واستأصل ساقة الفرنج . وكان قد أنفق في العساكر في تلك الدفعة مائة

--> ( 1 ) بياض في الأصل .